نَّ الْعِبَادَةَ لا تُسَمَّى عِبَادَةً إِلَّا مَعَ التَّوْحِيدِ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ لا تُسَمَّى صَلاةً إِلَّا مَعَ الطَّهَارَةِ, فَإِذَا دَخَلَ الشِّرْكُ فِي الْعِبَادَةِ فَسَدَتْ، كَالْحَدَثِ إِذَا دَخَلَ فِي الطَّهَارَةِ.

  • Whatsapp

إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيرًا، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ( [آل عمران:102]، )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( [النساء:1]، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا( [الأحزاب:70-71].
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: اعْلَمُوا أَنَّ أَعْظَمَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ التَّوْحِيدُ وَهُوَ إِفْرَادُ اللهِ بِالْعِبَادَةِ، وَأَنَّ أَعْظَمَ مَا نَهَى عَنْهُ الشِّرْكُ وَهُوَ دَعْوَةُ غَيْرِهِ مَعَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [النساء: 36].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ أَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- خَلَقَنَا لِنَعْبُدَهُ وَنَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِفِعْلِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، قَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]، فَإِذَا عَرَفْنَا ذَلِكَ فَلْنَعْلَمْ أَنَّ الْعِبَادَةَ لا تُسَمَّى عِبَادَةً إِلَّا مَعَ التَّوْحِيدِ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ لا تُسَمَّى صَلاةً إِلَّا مَعَ الطَّهَارَةِ, فَإِذَا دَخَلَ الشِّرْكُ فِي الْعِبَادَةِ فَسَدَتْ، كَالْحَدَثِ إِذَا دَخَلَ فِي الطَّهَارَةِ. وَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَنِيَ أَشَدَّ الْعِنَايَةِ بِمَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ لِنَتَّبِعَهُ وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ نَعْرِفَ الشِّرْكَ لِنَجْتَنِبَهُ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ فِي اللهِ: رُبَّمَا يَقُولُ قَائِلٌ: إِنَّنَا نَعْرِفُ التَّوْحِيدَ فَلَا حَاجَةَ أَنْ يُكَرَّرَ عَلَيْنَا، وَهَا نَحْنُ نُصَلِّي وَنَصُومُ وَنَقُومُ بِشَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فَلا نَحْتَاجُ لِتَعْلِيمِ التَّوْحِيدِ؟ وَالْجَوَابُ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ ظَهَرَتْ فِيهِمَا الْعِنَايَةُ بِالتَّوْحِيدِ ظُهُوراً كَبِيراً مِمَّا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَعَلُّمِهِ وَتَكْرَارِ ذَلِكَ حَتَّى يَرْسَخَ وَلِئَلَّا يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ الشِّرْكُ.
فَمَنْ ذَلِكَ: أَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- جَعَلَ الْحِكْمَةَ مِنَ الْخَلْقِ هِيَ عِبَادَتَهُ وَمِنْ أَجْلِهَا أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ، قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: 36].
وَأَيْضَاً: أّنَّ أَوَّلَ فِعْلٍ نَجِدُهُ فِي الْقُرْآنِ هُوَ أَمْرٌ بِإِفْرَادِ اللهِ -تَعَالَى- بِالْعِبَادَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فِي الفَاتِحَةِ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) أَيْ نَعْبُدُكَ لا نَعْبُدُ غَيْرَكَ، وَأَيْضَاً: فَإِنَّ أَوَّلَ نِدَاءٍ فِي الْقُرْآنِ دَعْوَةٌ لِلتَّوْحِيدِ، فَفِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ يَقُولُ سُبْحَانَهُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 21].
وَأَيْضَاً: فَإِنَّ الْفَاتِحَةَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ جَمِيعَ أَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ وَنَهَتْ عَنِ الشِّرْكِ، فَفِيهَا تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
وَأَيْضَاً: فَإِنَّ أَعْظَمَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ آيَةُ الْكُرْسِيِّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا كُلَّهَا فِي التَّوْحِيدِ، قَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) [البقرة: 255].
وَأَيْضَاً: فَإِنَّ سُورَةَ الصَّمَدِ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا فِي أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ, قَالَ سُبْحَانَهُ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [سورة الصمد].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَأَمَّا السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ وَالسِّيرَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ فَإِنَّهَا زَاخِرَةٌ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى تَعْظِيمِ شَأْنِ التَّوْحِيدِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَكَثَ فِي مَكَّةَ ثَلاثَ عَشْرَةً سَنَّةً قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، وَالْعَشْرَ سِنِينَ الْأُولَى جَعَلَهَا كُلَّهَا فِي الدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ، فَكَانَ يَطُوفُ عَلَى مَجَامَعِ النَّاسِ وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاهُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى هَذَا حَتَّى أُسْرِيَ بِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَبَعْدَهَا فُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَبَقِيَ فِي مَكَّةَ ثَلاثَ سِنِينَ، فَكَانَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ وَإِلَى الصَّلَاةِ مَعَهُ.
ثُمَّ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ اسْتَقَرَّ فِيهَا عَشْرَ سِنِينَ، فَكَانَ يَدْعُو فِيهَا إِلَى التَّوْحِيدِ وَالصَّلَاةِ وَبَقِيَّةِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، فَكَانَتِ الدَّعْوَةُ إِلَى التَّوْحِيدِ ثَلاثَاً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهِيَ جَمِيعُ مُدَّةِ دَعْوَتِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ نَتْرُكُ تَعَلُّمَ التَّوْحِيدِ وَالدَّعْوَةَ إِلَيْهِ؟
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَقَبْلَ أَنْ نَسْتَمِرَّ فِي بَيَانِ عَظِيمٍ مَنْزِلَةِ التَّوْحِيدِ وَأَهَمِّيَّتِهِ اسْمَعُوا هَذِهِ الِقِصَّةِ: رُوِيَ عَنِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ- أَنَّهُ كَانَ يُدَرِّسُ طُلَّابَهُ التَّوْحِيدَ، فَكَأَنَّهُمْ اسْتَكْثَرُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: لَقَدْ فَهِمْنَا التَّوْحِيدَ وَدَرَسْنَاهُ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ, فَنُرِيدُ أَنْ تُغَيِّرَ لَنَا الدَّرْسَ إِلَى بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْأُخْرَى، فَقَالَ لَهُمْ الشَّيْخُ: سَنَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ.
وَمِنَ الْغَدِ مَرَّ عَلَيْهِ بَعْضُ طَلَبَتِهِ وَوَجَدُوهُ مَهْمُومَاً يُفَكِّرُ فَقَالُوا: مَا بَالُكَ يَا شَيْخَنَا؟ فَقَالَ لَهُمْ: لَقْدْ سَمِعْتُ أَنَّهُ فِي إِحْدَى الْقُرَى الْمُجَاوِرَةِ قَامَ رَجُلٌ بِذَبْحِ دِيكٍ لِلْجِنِّ، وَلَقَدْ أَرْسَلْتُ مَنْ يَتَثَبَّتُ لِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ.
فَقَالَ الطَّلَبَةُ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. وَمَضَوْا فِي طَرِيقِهِمْ.
وَمِنَ الْغَدِ قاَبَلُوا الشَّيْخَ فَسَأَلُوهُ عَنْ حَادِثَةِ ذَبْحِ الدِّيكِ هَلْ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ؟ فَقَالَ لَهُمُ الشَّيْخُ: لا، لَقَدْ وَجَدْنَا الْأَمْرَ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ، فَالرَّجُلُ لَمْ يَذْبَحْ دِيكَاً وَلَكِنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَثَارَ الطَّلَبَةُ وَانْفَعَلُوا وَقَالُوا: لا بُدَّ مِنْ أَنْ نُنْكِرَ هَذَا الْأَمْرَ ! كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخُذْلَانِ !
فَقَالَ لَهُمُ الشَّيْخُ: عَجِيبٌ أَمْرُكُمْ وَاللهِ! تَثُورُونَ مِنْ أَجْلِ كَبِيرَةٍ مِنَ الْكَبَائِرِ وَلا تَثُورُونَ لِأَمْرِ الشِّرْكِ بِاللهِ؟ مَعَ أَنَّ الشِّرْكَ لا يَعْدِلُهُ ذَنْبٌ, فَأَيْنَ غَيْرَتُكُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ إِذَنْ؟ هَاتُوا كَتَابَ التَّوْحِيدِ نَقْرَأُ مِنْهُ، يَعْنِي: أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الْمُوَاصَلَةِ فِي دِرَاسَةِ التَّوْحِيدِ وَتَذَكُّرِ مَسَائِلِهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: كَانَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُحَذِّرُ النَّاسَ مِنَ الشِّرْكِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدُوهُ، وَذَلِكَ حِمَايَةً لِلتَّوْحِيدِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ لَهُ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “أَجَعَلْتَنِي للهِ نِدَّاً؟ بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ” (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).
فَتَأَمَّلُوا الحَدِيثَ: فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَى الرَّجُلِ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ مِنْ مَقْصَدِهِ، لِأَنَّهُ مَهْمَا كَانَ فَلَفْظُهُ غَلَطٌ وَلا يَجُوزُ وَلَوْ حَسُنَ مَقْصِدُهُ، فَهَكَذا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُنْكِرَ الْأَلْفَاظَ الشِّرْكِيَّةَ وَلا نَنْظُرْ إِلَى مَقْصِدِ صَاحِبِهَا لِأَنَّهُ مُخْطِئٌ بِكُلِّ حَالٍ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفُرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَاعْلَمُوا أَنَّ أَعْظَمَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ التَّوْحِيدُ وَهُوَ إِفْرَادُ اللهِ بِالْعِبَادَةِ، وَأَنَّ أَعْظَمَ مَا نَهَى عَنْهُ الشِّرْكُ وَهُوَ دَعْوَةُ غَيْرِهِ مَعَهُ، قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)[النساء:36].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ الشِّرْكَ أَمْرُهُ خَطِيرٌ وَأَنَّهُ يَعُودُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةً فَيَظْهَرُ فِي النَّاسِ، وَقَدْ أَبْدَى اللهُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ وَأَعَادَ فِي التَّحْذِيرِ مِنَ الشِّرْكِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِخَطَرِهِ وَأَنَّهُ يَقَعُ فِي أَهْلِ التَّوْحِيدِ، فَالَّذِينَ عَلَيْهِمْ خَطَرٌ مِنَ الشِّرْكِ هُمُ الْمُوحِّدُونَ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ هُمُ وَاقِعُونَ فِيهِ أَصْلاً، كَمَا نَقُولَ: إِنَّ خَطَرَ الْعَدْوَى مِنَ الْأَمْرَاضِ عَلَى الْمُعَافَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ قَدْ أَصَابَهُ الْمَرَضُ، وَبِهَذَا نَرُدُّ عَلَى بَعْضِ مَنْ لا يَهْتَمُّ بِأَمْرِ التَّوْحِيدِ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الشِّرْكِ، بِحُجَّةِ أَنَّهُ مُوَحِّدٌ وَلَمْ يُشْرِكْ بَعْدُ، فَيُقَالُ: إِنَّنَا نُحَذِّرُكَ لِئَلَّا تَقَعَ فِي الشِّرْكِ بِسَبَبِ الْغَفْلَةِ وَبَسِبَبِ الْجَهْلِ.
الذِي وَقَعَ فِي بِلَادِ التَّوْحِيدِ أَظْهَرُ مِثَالٍ عَلَى أَنَّ خَطَرَ الشِّرْكِ يُهَدِّدُنَا فِي أَيِّ لَحْظَةٍ. عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُا- قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى”(رَوَاهُ مُسْلِم).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ وَكَانَتْ صَنَمًا تَعْبُدُهَا دَوْسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِتَبَالَةَ”(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
وَعَنْ ثَوْبَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “وَلا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الْأَوْثَانَ”(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ).
فَهَذِهِ أَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ وَاضِحَةٌ كَالشَّمْسِ فِي عَوْدِةِ الشِّرْكِ إِلَى أَهْلِ التَّوْحِيدِ لِيَنْتَشِرَ فِيهِمْ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أَوْ هَلْ مِنْ مُعْتَبِرٍ؟
وَإِنِّي أَخْتِمُ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ بِنِدَاءٍ إِلَى أَصْحَابِ الْفَضِيلَةِ أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ بِأَنْ يُعَلِّمُوا النَّاسَ فِي مَسَاجِدِهِمُ التَّوْحِيدَ وَيُحَذِّرُوهُمْ مِنَ الشِّرْكِ، وَلا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ سَهْلٌ جِدًّا وَمُيَسَّرٌ، وَذَلِكَ بِقَرَاءَةِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدَ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ-، فَإِنَّهُ كَافٍ وَافٍ -بِإِذْنِ اللهِ- فِي هَذَا الْجَانَبِ, فَإِنْ حَصَلَ مِنْ صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ تَعْلِيقٌ مُنَاسِبٌ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَإِلَّا فَإِنَّ مُجَرَّدَ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ نَافِعَةٌ جِدًّا فِي هَذَا الْجَانِبِ.
قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ بَازٍ -رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُ-: “كِتَابُ التوحيدِ كتابٌ عَظِيمٌ، لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ، وَفَوَائِدُهُ جَمَّةٌ، وَنَادِرٌ أَنْ سَبَقَ التَّأْلِيفُ عَلَى مِنْوَالِهِ.
فَإِنْ حَصَلَ مِنْ صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ تَعْلِيقٌ مُنَاسِبٌ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَإِلَّا فَإِنَّ مُجَرَّدَ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ نَافِعَةٌ جِدًّا فِي هَذَا الْجَانِبِ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ وَجُنْدَكَ الْمُوَحِّدِينَ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلاَةَ أُمُورِنَا، وَاجْعَلْ وِلاَيَتَنَا فِيمَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

Related posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *